أخيرًا استخدمت آثار غاز الهيدروجين المكتشَفة بمناطق شاسعة من الفضاء ـ
لأول مرة ـ كمسطرة معيارية لقياس الطاقة المظلمة (وهي الطاقة الكونية غير
المعروفة، التي تسبب تسارُع تمدُّد الكون).
أوردت تقارير المشروع التعاوني الدولي حول مسح التذبذب الطيفي الباريوني (BOSS) المنشورة مؤخرًا في دوريّة «الفلك والفيزياء الفلكية»1 ومجلة «الكوزمولوجيا وفيزياء الجسيمات الفلكية»2 كيفية استخدام أرصاد ومشاهدات غاز الهيدروجين الكوني لتحديد معدل تمدُّد الكون قبل أن تبدأ حقبة تسارع التمدد الكوني.
أصبح القول بأن تمدُّد الكون بدأ يتسارع منذ نحو 7 مليارات سنة جزءًا مقبولًا اليوم في النموذج الكوني القياسي، لكن لا يزال سبب استمرار التسارع حتى الآن لغزًا. ينطوي مصطلح «الطاقة المظلمة» على عدة احتمالات نظرية. وللتمييز فيما بينها، هناك حاجة إلى معلومات أكثر، مثل ما إذا كانت الطاقة المظلمة ثابتة، أم متغيرة بمرور الوقت.
حتى الآن لا يزال الفلكيّون مقيَّدين بحقيقة أن معظم الأرصاد والمشاهدات قد استهدفت الكون القريب نسبيًّا (عندما يكون الانزياح نحو الأحمر (z) أقل من واحد تقريبًا، حيث يسهل رؤية المُستَعِرات الفائقة والمجرات)، أو أبعد من ذلك (عندما يكون الانزياح نحو الأحمر (z) عند 1100، حيث تشاهَد بقايا إشعاع الانفجار العظيم). وقد جَسَر فريق مسح التذبذب الطيفي الباريوني هذه الفجوة في الانزياح نحو الأحمر، وقياس التمدد الكوني عندما تكون قيمة z حوالي 2.3، وهو ما يطابق الزمن الذي كان فيه عمر الكون أقل من ربع عمره المقدَّر حاليًا بحوالي 13.8 مليار سنة.
يؤكد هذا القياس المدهش وجود الطاقة المظلمة، وما يثير الاهتمام أكثر أنه لا تظهر إشارة اختلاف أو تفاوت خلال العشرة مليارات سنة الماضية. وتبقى الطاقة المظلمة متسقة مع ثابت أينشتاين الكوني.. وهي نتيجة كان يمكن دحضها بسهولة بالمعطيات (البيانات) الواردة من هذه المسافات. أمكن هذا القياس بفضل الجهود التي بذلها فريق مسح التذبذب الطيفي الباريوني. فهذا المشروع التعاوني الدولي في طور الحصول على طيف 1.6 مليون مجرة، و150 ألف كوازار (الأجزاء المركزية فائقة السطوع بالمجرات النشطة) باستخدام تليسكوب سلون الرقمي؛ لمسح السماء (بقطر 2.5 متر)، في مرصد نقطة أباتشي في صنسبوت، بولاية نيومكسيكو. كانت الغاية تحديد توزُّع المادة عبر أكثر من نصف الكون القابل للرصد. هذا التوزع ليس عشوائيًّا، ويحمل في طياته ثروةً من المعلومات حول الطاقة المظلمة، والمادة المظلمة، وقوة الجاذبية.
منذ أن كشفت أرصاد ومشاهدات المستعرات الفائقة في عام 1998 أن تمدد الكون يتسارع، بُذِلَت جهود جبارة لقياس هذا التسارع بتفاصيل كافية؛ لمحاولة شرح أسبابه. ومن بين المعامِلات الأساسية المرصودة، كانت التذبذبات الصوتية الباريونية. تشكلت هذه التذبذبات بواسطة الموجات الصوتية في الكون المبكر، حيث كان الكون حينئذ كثيفًا جدًّا؛ مما مكَّن الصوت من الارتحال لأي مكان بسرعة تتجاوز نصف سرعة الضوء. وبعد 300 ألف سنة من الانفجار العظيم، تمدد الكون إلى مدى لم تَعُدْ معه المادة كثيفةً بشكل كافٍ لانتشار الأمواج الصوتية. ثم تجمدت الموجات في المكان، تاركةً مقياسًا مميزًا مطبوعًا على توزع الكثافة الأصلية التي ستتشكل منها المجرات في نهاية المطاف.
يست هذه المرة الأولى التي يُتتَبّع فيها الهيدروجين باستخدام الكوازارات كأضواء خلفية. وكذلك ليست المرة الأولى التي تقاس فيها التذبذبات الصوتية الباريونيّة، لكنها المرة الأولى التي يستخدَم فيها الهيدروجين لقياس التذبذبات الصوتية الباريونية، وهي ـ إلى حد بعيد ـ أقصى مسافة لقياس معدل تمدد الكون حتى الآن.
هذه النتيجة المدهشة تدعم فكرة أن النموذج الأكثر بساطة للطاقة المظلمة ـ والقائل بثباتها ـ هو النموذج الأفضل فعلاً. وهذا يترك الفلكيين في موقف يثير الاهتمام. ومنذ عثور علماء فيزياء الجسيمات الأولية على بوزون هيجز فعلًا، كما تم التنبؤ بوجوده، عثر علماء الكَوْنِيّات على الطاقة المظلمة فعلاً، كما تنبأت بوجودها النظرية الأكثر بساطة.
وانطلاقًا من هنا، إلى أين المسير؟ تبقى مشكلة أنه لا تفسير نظريًّا جيدًا لكل من المادة المظلمة أو الطاقة المظلمة. ستتحسن الأرصاد والمشاهدات بشكل مستمر، لكن بات واضحًا أن الاختراقات الحقيقية اللازمة نظرية في الأساس، بمعنى أن الأرصاد سهلة. وبإيلاء مزيد من الوقت، والأجهزة الأفضل، والتحليل الدقيق، وزيادة الموارد البشرية، يمكن للقياسات أن تتحسن. بيد أن النظرية أكثر صعوبة، وليس هناك قدر محدد من الوقت كفيل بإحداث اختراق، ويمكن أن يكون «الاكتشاف الكبير القادم» قد فُقِد في مستنقع أو شرَك النظريات الضعيفة، نظرًا إلى افتقاد النصير الكاريزمي بما فيه الكفاية.
في الجيل القادم من تجارب علوم الكَوْنِيّات، يبذل الراصدون قصارى جهدهم لتهذيب النظريات بمختلف السبل، نظرًا إلى وعيهم بهذه المسألة. فهم يوفرون مختلف أشكال الأرصاد والمشاهدات التي يمكن أن تساعد في التمييز بين النظريات، وفي توجيه أبحاث المُنَظِّرين.
في غضون ذلك، لا زلتُ مذهولاً من قدرة البشر على قياس توزع الهيدروجين، كما كان قبل تشكُّل الأرض بأكثر من ستة مليارات سنة، وربطه بالأمواج الصوتية في طفولة الكون، وذلك بتطبيق مفاهيم فيزيائية بسيطة فقط ـ كالضغط والجاذبية ـ التي تحكم الحياة اليومية على الأرض. وتزيد تلك الحقيقة ثقتي أكثر في الصورة الإجمالية التي كشف عنها علمُ الكون، وتمثل إلهامًا كافيًا للاستمرار في بذل الجهد لمعرفة الأسرار المتبقية.
أوردت تقارير المشروع التعاوني الدولي حول مسح التذبذب الطيفي الباريوني (BOSS) المنشورة مؤخرًا في دوريّة «الفلك والفيزياء الفلكية»1 ومجلة «الكوزمولوجيا وفيزياء الجسيمات الفلكية»2 كيفية استخدام أرصاد ومشاهدات غاز الهيدروجين الكوني لتحديد معدل تمدُّد الكون قبل أن تبدأ حقبة تسارع التمدد الكوني.
أصبح القول بأن تمدُّد الكون بدأ يتسارع منذ نحو 7 مليارات سنة جزءًا مقبولًا اليوم في النموذج الكوني القياسي، لكن لا يزال سبب استمرار التسارع حتى الآن لغزًا. ينطوي مصطلح «الطاقة المظلمة» على عدة احتمالات نظرية. وللتمييز فيما بينها، هناك حاجة إلى معلومات أكثر، مثل ما إذا كانت الطاقة المظلمة ثابتة، أم متغيرة بمرور الوقت.
حتى الآن لا يزال الفلكيّون مقيَّدين بحقيقة أن معظم الأرصاد والمشاهدات قد استهدفت الكون القريب نسبيًّا (عندما يكون الانزياح نحو الأحمر (z) أقل من واحد تقريبًا، حيث يسهل رؤية المُستَعِرات الفائقة والمجرات)، أو أبعد من ذلك (عندما يكون الانزياح نحو الأحمر (z) عند 1100، حيث تشاهَد بقايا إشعاع الانفجار العظيم). وقد جَسَر فريق مسح التذبذب الطيفي الباريوني هذه الفجوة في الانزياح نحو الأحمر، وقياس التمدد الكوني عندما تكون قيمة z حوالي 2.3، وهو ما يطابق الزمن الذي كان فيه عمر الكون أقل من ربع عمره المقدَّر حاليًا بحوالي 13.8 مليار سنة.
يؤكد هذا القياس المدهش وجود الطاقة المظلمة، وما يثير الاهتمام أكثر أنه لا تظهر إشارة اختلاف أو تفاوت خلال العشرة مليارات سنة الماضية. وتبقى الطاقة المظلمة متسقة مع ثابت أينشتاين الكوني.. وهي نتيجة كان يمكن دحضها بسهولة بالمعطيات (البيانات) الواردة من هذه المسافات. أمكن هذا القياس بفضل الجهود التي بذلها فريق مسح التذبذب الطيفي الباريوني. فهذا المشروع التعاوني الدولي في طور الحصول على طيف 1.6 مليون مجرة، و150 ألف كوازار (الأجزاء المركزية فائقة السطوع بالمجرات النشطة) باستخدام تليسكوب سلون الرقمي؛ لمسح السماء (بقطر 2.5 متر)، في مرصد نقطة أباتشي في صنسبوت، بولاية نيومكسيكو. كانت الغاية تحديد توزُّع المادة عبر أكثر من نصف الكون القابل للرصد. هذا التوزع ليس عشوائيًّا، ويحمل في طياته ثروةً من المعلومات حول الطاقة المظلمة، والمادة المظلمة، وقوة الجاذبية.
منذ أن كشفت أرصاد ومشاهدات المستعرات الفائقة في عام 1998 أن تمدد الكون يتسارع، بُذِلَت جهود جبارة لقياس هذا التسارع بتفاصيل كافية؛ لمحاولة شرح أسبابه. ومن بين المعامِلات الأساسية المرصودة، كانت التذبذبات الصوتية الباريونية. تشكلت هذه التذبذبات بواسطة الموجات الصوتية في الكون المبكر، حيث كان الكون حينئذ كثيفًا جدًّا؛ مما مكَّن الصوت من الارتحال لأي مكان بسرعة تتجاوز نصف سرعة الضوء. وبعد 300 ألف سنة من الانفجار العظيم، تمدد الكون إلى مدى لم تَعُدْ معه المادة كثيفةً بشكل كافٍ لانتشار الأمواج الصوتية. ثم تجمدت الموجات في المكان، تاركةً مقياسًا مميزًا مطبوعًا على توزع الكثافة الأصلية التي ستتشكل منها المجرات في نهاية المطاف.
على مدى العقد الماضي، كانت المسوح المَجَرِّية ـ مثل مسح الانزياح الأحمر لمجرات الحقل ثنائي الدرجة3، ومسح الانزياح الأحمر لمجرات الحقل سداسي الدرجة4، ومسح تليسكوب سلون الرقمي للسماء5،
ومسح ويجل WiggleZ للطاقة المظلمة6 ـ قد اقتفت توزع المجرات في الكون على
مسافات متزايدة باستمرار. وقد كشفت جميعها عن مقياس التذبذب الصوتي
الباريوني المميز في أنماط توزع المجرات. وباستخدام هذا المقياس كمسطرة
معيارية، تم توكيد تسارع التمدد الكوني بشكل رائع، ودقة تساوي حاليًا الدقة
المتحصلة من دراسات المستعرات الفائقة.
يُعدّ مسح التذبذب
الطيفي الباريوني (BOSS) هو المسح القادم في ذلك الخط المتميز من مشروعات
المسح، لكن الفريق رأى أبعد من ذلك من خلال رصد الكوازارات. يرتفع سطوع
الكوازارات الفائق بسبب تسخين المادة الساقطة بفعالية في الثقوب السواء
المركزية بالمجرات التي تستضيفها. استخدم الفريق هذه الكوازارات كـ«أضواء
خلفية»؛ للكشف عن خيوط غاز الهيدروجين الرفيعة التي تتخلل الكون فيما بين
المجرات. وعندما يمر ضوء الشمس من خلال فروع شجرة، يمكن الاستدلال على نمط
الأوراق بواسطة الظلال التي تلقيها (انظر الشكل1). وبشكل مماثل، عندما يمر
ضوء الكوازار خلال غيوم الهيدروجين، فإن الضوء الممتص يعطي خريطة عن تموضع
الهيدروجين.يست هذه المرة الأولى التي يُتتَبّع فيها الهيدروجين باستخدام الكوازارات كأضواء خلفية. وكذلك ليست المرة الأولى التي تقاس فيها التذبذبات الصوتية الباريونيّة، لكنها المرة الأولى التي يستخدَم فيها الهيدروجين لقياس التذبذبات الصوتية الباريونية، وهي ـ إلى حد بعيد ـ أقصى مسافة لقياس معدل تمدد الكون حتى الآن.
هذه النتيجة المدهشة تدعم فكرة أن النموذج الأكثر بساطة للطاقة المظلمة ـ والقائل بثباتها ـ هو النموذج الأفضل فعلاً. وهذا يترك الفلكيين في موقف يثير الاهتمام. ومنذ عثور علماء فيزياء الجسيمات الأولية على بوزون هيجز فعلًا، كما تم التنبؤ بوجوده، عثر علماء الكَوْنِيّات على الطاقة المظلمة فعلاً، كما تنبأت بوجودها النظرية الأكثر بساطة.
وانطلاقًا من هنا، إلى أين المسير؟ تبقى مشكلة أنه لا تفسير نظريًّا جيدًا لكل من المادة المظلمة أو الطاقة المظلمة. ستتحسن الأرصاد والمشاهدات بشكل مستمر، لكن بات واضحًا أن الاختراقات الحقيقية اللازمة نظرية في الأساس، بمعنى أن الأرصاد سهلة. وبإيلاء مزيد من الوقت، والأجهزة الأفضل، والتحليل الدقيق، وزيادة الموارد البشرية، يمكن للقياسات أن تتحسن. بيد أن النظرية أكثر صعوبة، وليس هناك قدر محدد من الوقت كفيل بإحداث اختراق، ويمكن أن يكون «الاكتشاف الكبير القادم» قد فُقِد في مستنقع أو شرَك النظريات الضعيفة، نظرًا إلى افتقاد النصير الكاريزمي بما فيه الكفاية.
في الجيل القادم من تجارب علوم الكَوْنِيّات، يبذل الراصدون قصارى جهدهم لتهذيب النظريات بمختلف السبل، نظرًا إلى وعيهم بهذه المسألة. فهم يوفرون مختلف أشكال الأرصاد والمشاهدات التي يمكن أن تساعد في التمييز بين النظريات، وفي توجيه أبحاث المُنَظِّرين.
في غضون ذلك، لا زلتُ مذهولاً من قدرة البشر على قياس توزع الهيدروجين، كما كان قبل تشكُّل الأرض بأكثر من ستة مليارات سنة، وربطه بالأمواج الصوتية في طفولة الكون، وذلك بتطبيق مفاهيم فيزيائية بسيطة فقط ـ كالضغط والجاذبية ـ التي تحكم الحياة اليومية على الأرض. وتزيد تلك الحقيقة ثقتي أكثر في الصورة الإجمالية التي كشف عنها علمُ الكون، وتمثل إلهامًا كافيًا للاستمرار في بذل الجهد لمعرفة الأسرار المتبقية.
References
- Busca, N. G. et al. Astron. Astrophys. 552, A96 (2013).
- Slosar, A. et al. J. Cosmol. Astropart. Phys. 026; http://dx.doi.org/10.1088/1475-7516/2013/04/026 (April 2013).
- Eisenstein, D. et al. Astrophys. J. 633, 560–574 (2005).
- Beutler, F. et al. Mon. Not. R. Astron. Soc. 416, 3017–3032 (2011).
- Anderson, L. et al. Mon. Not. R. Astron. Soc. 427, 3435–3467 (2012).
- Blake, C. et al. Mon. Not. R. Astron. Soc. 418, 1707–1724 (2011).

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire