عرض تمثال بوذا هذا معرض لهولندا، ومصدره من الصين. وقد كشف تصويره بالأشعة
السينية عن وجود مومياء في داخله! وهذه المومياء هي لا شك لراهب بوذي
أخفيت داخل التمثال! كان سيدهارتا غوتاما، المعروف أكثر بلقب البوذا،
قد أصبح موضوع العبادة في الديانة البوذية منذ قرون طويلة. ولهذا صنعت له
عبر الأزمنة عدة تماثيل تبجيلاً له. وقد عرض أحدها مؤخراً في هولندا، لكنه
سرعان ما جذب اهتمام الباحثين الآثاريين وغيرهم من علماء الفن والكيمياء
والتصوير بالأشعة وغيرها بعد أن حققوا اكتشافاً غير متوقع بصدده.
فالمنحوتة، وعمرها أكثر من الف سنة، كانت قد سحبت من العرض في أيلول الماضي
من معرض نظم في متحف Drents Museum d’Assen. ونقل التمثال إلى مركز مياندر
الطبي Centre Médical Meander في أمرسفورت لإخضاعه لسلسلة من الفحوصات من
جهة بالتصوير الشعاعي الطبقي بواسطة الأشعة السينية، ومن جهة أخرى بواسطة
إدخال المنظار لاستكشاف الفجوات الماثللة في الصدر والبطن. كشفت
نتائج هذه التحاليل أن التمثال المصنّع من معجون الورق الملون بلون ذهبي،
لم يكن فارغاً من الداخل، فقد اكتشف الباحثون وجود مومياء مخفية بداخله هي
على الارجح مومياء راهب بوذي. ويفترض العلماء أن هذه المومياء تعود إلى
معلم بوذي ربما كان ينتمي إلى مدرسة ليوكوان، وهي مدرسة تأملية صينية، وكان
قد مات نحو عام 1100 . لكن الاكتشاف لم يقف عند هذا الحد. فقد أثبتت
الفحوصات وجود قطعة من الورق داخل التمثال عليها كتابات صينية قديمة . وقد
وجدت قصاصات الورق هذه في المواضع التي كانت توجد فيها أعضاء الراهب
الداخلية. وهي عبارة عن نصوص طبعت على هذه الورقات الثمينة والتي حيرت
العلماء فيما يخص هوية الراهب البوذي. وفق الباحثين، من الممكن أن
تكون هذه المومياء هي شاهد على عملية تحنيط ذاتية! فهذه الممارسة كانت
شائعة خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر في الصين واليابان ولاووس
وكوريا وغيرها من مناطق شرق آسيا كما يقول فينسان فان فلستيرين عالم الآثار
من متحف درنتس. وكان ذلك يتم من خلال عملية تحنيط ذاتي طوعي وإرادي عبر
صيرورة طبيعية في مواجهة الموت. وكان الرهبان الذين يختارون ذلك يمارسون
صوماً خاصاً قبل أن يشربوا شاياً مسموماً وينسحبوا ليدخلوا إلى قبر حجري
حيث يستطيعون ممارسة التأمل حتى مماتهم. ولا يعد هذا النوع من الممارسة
كانتحار بالنسبة لهؤلاء الرهبان طالما أنهم يسعون من خلاله ليصبحوا عبر هذه
الممارسة ”بوذا أحياء“، يصلون عبر حالة التأمل إلى أقصى درجات الروحانية،
وهو ما يسمى بالاستنارة. إنها طريقة لمغادرة هذا العالم وتتويج لحياة روحية
طويلة ينهيها هؤلاء الرهبان بانسحاب عميق وهادئ من العالم إلى عالم
النور! مراحل هذه الممارسة وفق المعلومات التاريخية كان هذا
الراهب خلال ألف يوم من بداية هذا الصوم لا يأكل سوى بعض الحبوب والتوت
والمكسرات، وكان يقوم خلالها برياضات فيزيائية مجهدة ليتخلص من كافة الشحوم
المخزنة في جسمه. وخلال ألف يوم تالية كان يخفض نظامه الغذائي إلى بعض
الجذور واللحاء. وقبل الدخول في المرحلة النهائية والأصعب، كان يشرب كميات
كبيرة من الشاي المسموم الذي يتم الحصول عليه من نسغ شجرة أوروشي التي تنبت
على سفوح الهيملايا، والتي نجدها أيضا في اليابان والصين وكوريا وتايوان
وفيتنام وبرمانيا وكمبوديا وبوتان. وكان شرب هذا الشاي يؤدي إلى الاستفراغ
وخسارة سريعة للوزن. بالمقابل كان هذا الشاي يطرد الطفيليات ويحمي بالتالي
الجسم بحيث يمنع عنه الحشرات والبكتريا التي تؤدي عادة إلى تفسخ الجثة
وتحللها. كان الراهب يتحضر خلال نحو ست سنوات للاقتراب من الموت. وكان في
النهاية يحبس جسمه في قبر لا يتجاوز حجمه حجم جسمه ويدخل في تأمل في وضعية
اللوتس فلا يتخلى عنها حتى اللحظة الأخيرة. وكان منفذ واحد بسيط من
القصب ربما يحمل له الهواء لكي يتنفس وكان الذين في الخارج يعرفون بالمقابل
من خلال هذا المنفذ أنه لا يزال حياً لأن نفسه كان يحرك جرسا لطيفا جدا.
وعندما يتوقف الجرس عن الرنين كان يتم سحب عود القصب وكان يتم إغلاق القبر
ويتم إعلان فترة حداد طقسي تمارس فيه الصلوات والتأمل لمدة ألف يوم!
بعد انتهاء مدة الحداد يتم فتح القبر للتحقق من أن عملية التحول إلى مومياء
قد تمت بشكل جيد، وعندها يتم رفع الراهب إلى مستوى البوذا ويتم سحب جثمانه
ويوضع في المعبد للعبادة. أما إذا لم يكن التحول إلى مومياء قد تم، فإنه
يعاد إلى قبره ويبجل للطاقة الكبيرة التي بذلها في طريق الاستنارة لكنه لا
يعد قد حقق مرتبة البوذا. نشير أيضا إلى أن هذه الممارسة لم تكن محصورة في الصين فقط، بل كانت معروفة اليابان، واستمرت حتى تم منعها في القرن التاسع عشر.
”هناك قصص تاريخية عن بعض الرهبان الذين مارسوا هذه الطريقة. لكن لسنا
متأكدين إذا كان ذلك ينطبق على هذه الحالة“ كما يقول فلسترين. وسيكون من
الصعوبة من جهة أخرى حسم هذه المسألة، خاصة أن الباحثين لا يريدون عطب أو
تدمير هذه المومياء عبر دراستها بشكل مفصل أكثر من الداخل. وقد تم استخلاص
عينات مورثية من المومياء وسيتم دراستها في محاولة معرفة المزيد عن هذا
الراهب البوذي. نشرت الدراسة في مجلة Netherlands Time وتناقلتها عدة
مجلات علمية عنها.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire